فخر الدين الرازي
192
تفسير الرازي
جلال الله وعظمته على ما يليق به ، والحس لا ينازعه فيه . فكان ذلك كالطريق إلى جذب العقل من حضيض عالم المحسوسات إلى يفاع عالم الربوبية ، وبيداء كبرياء الصمدية ، فسبحان من عظمت حكمته وكملت كلمته . السؤال الثاني : ما الفائدة في قوله : * ( والسماء وما بناها ) * ؟ الجواب : أنه سبحانه لما وصف الشمس بالصفات الأربعة الدالة على عظمتها ، أتبعه ببيان ما يدل على حدوثها وحدوث جميع الأجرام السماوية ، فنبه بهذه الآية على تلك الدلالة ، وذلك لأن الشمس والسماء متناهية ، وكل متناه فإنه مختص بمقدار معين . مع أنه كان يجوز في العقل وجود ما هو أعظم منه ، وما هو أصغر منه ، فاختصاص الشمس وسائر السماويات بالمقدار المعين ، لا بد وأن يكون لتقدير مقدر وتدبير مدبر ، وكما أن باني البيت يبنيه بحسب مشيئته ، فكذا مدبر الشمس وسائر السماويات قدرها بحسب مشيئته ، فقوله : * ( وما بناها ) * كالتنبيه على هذه الدقيقة الدالة على حدوث الشمس وسائر السماويات . السؤال الثالث : لم قال : * ( وما بناها ) * ولم يقل : ومن بناها ؟ الجواب : من وجهين الأول : أن المراد هو الإشارة إلى الوصفية ، كأنه قيل : والسماء وذلك الشيء العظيم القادر الذي بناها ، ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها والثاني : أن ما تستعمل في موضع من كقوله : * ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) * ( النساء : 22 ) والاعتماد على الأول . السؤال الرابع : لم ذكر في تعريف ذات الله تعالى هذه الأشياء الثلاثة وهي السماء والأرض والنفس ؟ والجواب : لأن الاستدلال على الغائب لا يمكن إلا بالشاهد ، والشاهد ليس إلا العالم الجسماني وهو قسمان بسيط ومركب ، والبسيط قسمان : العلوية وإليه الإشارة بقوله : * ( والسماء ) * والسفلية وإليه الإشارة بقوله : * ( والأرض ) * ( الشمس : 6 ) والمركب هو أقسام ، وأشرفها ذوات الأنفس وإليه الإشارة بقوله : * ( ونفس وما سواها ) * ( الشمس : 7 ) . أما قوله تعالى : * ( وَالاَْرْضِ وَمَا طَحَاهَا ) * . ففيه مسألتان : المسألة الأولى : إنما أخر هذا عن قوله : * ( والسماء وما بناها ) * لقوله : * ( والأرض بعد ذلك دحاها ) * ( النازعات : 30 ) . المسألة الثانية : قال الليث : الطحو كالدحو وهو البسط ، وإبدال الطاء من الدال جائز ، والمعنى وسعها . قال عطاء والكلبي : بسطها على الماء . * ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ) * . أما قوله تعالى : * ( ونفس وما سواها ) * إن حملنا النفس على الجسد ، فتسويتها تعديل أعضائها على ما يشهد به علم التشريح ، وإن حملناها على القوة المدبرة ، فتسويتها إعطاؤها القوى الكثيرة